أبي منصور الماتريدي

531

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

التحريم لم يكن منصرفا إليه ، ويحتمل أن يكون التحريم شاملا له ، ثم استثناه بما ذكر العباس - رضي الله عنه - من حاجة أهل مكة إليه ؛ لما لم يكن بين ما ذكر من التحريم والتحليل كثير مدة يجري في مثلها النسخ ، ولكن ترك بيان الحل إلى أن سأله العباس - رضي الله عنه - ثم بين . وهو دليل قول أصحابنا - رحمهم الله - : إن تأخير البيان جائز . ثم قوله - عزّ وجل - : وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون القسم منصرفا إلى نفسه ؛ فأقسم به ؛ لما عظم من أمره وشأنه ؛ كأنه قال - عزّ وجل - : لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ وبالذي هو حل بهذا البلد . أو يكون منصرفا إلى مكة ، ويكون قوله : وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ خرج مخرج التعريف بمكة ؛ لكونه فيها ، أي : البلد الذي أنت نازل به ، وحال به ، أو حلال فيه . وقوله - عزّ وجل - : وَوالِدٍ وَما وَلَدَ : قال بعضهم « 1 » : الوالد هو آدم عليه السلام وَما وَلَدَ : هم أولاده وذريته ، ولكن آدم - عليه السلام - وأولاده ليسوا بمخصوصين بالدخول تحت اسم الولد والوالد ؛ بل ذلك فيهم ، وفي جملة الروحانيين ؛ فيكون القسم بالخلائق أجمع ، ويكون وَما على هذا التأويل بمعنى « الذي » « 2 » . ومنهم من جعل ال « ما » : « ما » جحد ؛ فقال : « وَما وَلَدَ » أي : الذي لا يلد وهو العاقر ، فأقسم بالبشر جملة « 3 » من يلد منهم ومن [ لا ] « 4 » يلد ، وأقسم بهم - أيضا - لما جعلهم مفضلين على كثير من الخلائق . وقوله - عزّ وجل - : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ : قال بعضهم « 5 » : الكبد : الانتصاب ، أخبر [ أنه ] خلق الإنسان منتصبا ، وخلق كل دابة منكبا . وقال بعضهم « 6 » : الكبد : الشدة والمعاناة .

--> ( 1 ) قاله مجاهد أخرجه ابن جرير ( 37248 ، 37249 ) ، والفريابي ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 593 ) وهو قول قتادة ، وأبي صالح ، والضحاك ، وغيرهم . ( 2 ) في ب : والذي . ( 3 ) في ب : حملوا . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير ( 37269 ) ، وسعيد بن منصور ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 593 ) ، وهو قول عكرمة ، وإبراهيم ، والضحاك ، وغيرهم . ( 6 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 593 ) وهو قول الحسن ومجاهد وغيرهما .